أبي نعيم الأصبهاني

258

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

في أعلاها وإن كان لا يبلغ منها غاية ولا نهاية ، إذ لا غاية للمعروف عند العارفين ، وكيف تحيط المعرفة بمن لا تلحقه الفكرة ، ولا تحيط به العقول ، ولا تتوهمه الأذهان ، ولا تكفيه الرؤية . وأعلم خلقه به أشدهم إقرارا بالعجز عن إدراك عظمته ، أو تكشف ذاته لمعرفتهم بعجزهم عن إدراك من لا شيء مثله ، إذ هو القديم وما سواه محدث ، وإذ هو الأزلي وغيره المبدأ ، وإذ هو الاله وما سواه مألوه ، وإذ هو القوى من غير مقو ، وكل قوى فبقوته قوى ، وإذ هو العالم من غير معلم ، ولا فائدة استفادها من غيره ، وكل عالم فبعلمه علم . سبحانه الأول بغير بداية ، والباقي إلى غير نهاية ، ولا يستحق هذا الوصف غيره ، ولا يليق بسواه ، فأهل الخاصة من أوليائه في أعلى المعرفة من غير أن يبلغوا منها غاية ولا نهاية . والعامة من المؤمنين في أولها ولها شواهد ودلائل من العارفين على أعلاها ، وعلى أدناها . فالشاهد على أدناها الإقرار بتوحيد اللّه ، وخلع الأنداد من دونه ، والتصديق به وبكتابه وفرضه فيه ونهيه . والشاهد على أعلاها القيام فيه بحقه واتقاؤه في كل وقت ، وإيثاره في جميع خلقه واتباع معالى الاخلاق ، واجتناب ما لا يقرب منه . فالمعرفة التي فضلت الخاصة على العامة هي عظيم المعرفة في قلوبهم بعظيم القدر والاجلال ، والقدرة النافذة والعلم المحيط ، والجود والكرم والآلاء ، فعظم في قلوبهم قدره وقدر جلالته وهيبته ، ونفاذ قدرته ، وأليم عذابه وشدة بطشه ، وجزيل ثوابة وكرمه وجوده بجنته وتحننه ، وكثرة أياديه ونعمه وإحسانه ، ورأفته ورحمته . فلما عظمت المعرفة بذلك عظم القادر في قلوبهم ، فأجلوه وهابوه وأحبوه ، واستحيوا منه وخافوه ورجوه ، فقاموا بحقه واجتنبوا كل ما نهى عنه ، وأعطوه المجهود من قلوبهم وأبدانهم . أزعجهم على ذلك ما استقر في قلوبهم من عظيم المعرفة بعظيم قدره وقدر ثوابه وعقابه ، فهم أهل الخاصة من أوليائه . فلذلك قيل فلان بالله عارف ، وفلان باللّه عالم ، لما رأوه مجلا هائبا راهبا راجيا طالبا مشتاقا ورعا متقيا باكيا حزينا خاضعا متذللا . فلما ظهرت منهم هذه الاخلاق عرف المسلمون أنهم باللّه أعرف وأعلم من